ابن كثير

136

البداية والنهاية

وفي أوائل جمادى الآخرة فتح السلطان خانقاه سرياقوس التي أنشأها وساق إليها خليجا وبنى عندها محلة ، وحضر السلطان بها ومعه القضاة والأعيان والأمراء وغيرهم ، ووليها مجد الدين الاقصرائي ، وعمل السلطان بها وليمة كبيرة ، وسمع على قاضي القضاة ابن جماعة عشرين حديثا بقراءة ولده عز الدين بحضرة الدولة منهم أرغون النائب ، وشيخ الشيوخ القونوي وغيرهم ، وخلع على القارئ عز الدين وأثنوا عليه ثناء زائدا ، وأجلس مكرما ، وخلع أيضا على والده ابن جماعة وعلى المالكي وشيخ الشيوخ ، وعلى مجد الدين الاقصرائي شيخ الخانقاه المذكورة وغيرهم . وفي يوم الأربعاء رابع عشر رجب درس بقبة المنصورية في الحديث الشيخ زين الدين بن الكتاني الدمشقي ، بإشارة نائب الكرك وأرغون ، وحضر عنده الناس ، وكان فقيها جيدا ، وأما الحديث فليس من فنه ولا من شغله . وفي أواخر رجب قدم الشيخ زين الدين بن عبد الله بن المرحل من مصر على تدريس الشامية البرانية ، وكانت بيد ابن الزملكاني فانتقل إلى قضاء حلب ، فدرس بها في خامس شعبان وحضر القاضي الشافعي وجماعة . وفي سلخ رجب قدم القاضي عز الدين بن بدر الدين بن جماعة من مصر ومعه ولده ، وفي صحبته الشيخ جمال الدين الدمياطي وجماعة من الطلبة بسبب سماع الحديث ، فقرأ بنفسه وقرأ الناس له واعتنوا بأمره ، وسمعنا معهم وبقراءته شيئا كثيرا ، نفعهم الله بما قرأوا وبما سمعوا ، ونفع بهم . وفي يوم الأربعاء ثاني عشر شوال درس الشيخ شمس الدين بن الأصبهاني ، بالرواحية بعد ذهاب ابن الزملكاني إلى حلب ، وحضر عند القضاة والأعيان ، وكان فيهم شيخ الاسلام ابن تيمية ، وجرى يومئذ بحث في العام إذا خص ، وفي الاستثناء بعد النفي ووقع انتشار وطال الكلام في ذلك المجلس ، وتكلم الشيخ تقي الدين كلاما أبهت الحاضرين ، وتأخر ثبوت عيد الفطر إلى قريب يوم العيد ، فلما ثبت دقت البشائر وصلى الخطيب العيد من الغد بالجامع ، ولم يخرج الناس إلى المصلى ، وتغضب الناس على المؤذنين وسجن بعضهم . وخرج الركب في عاشره وأميره صلاح الدين بن أيبك الطويل ، وفي الركب صلاح الدين بن أوحد ، والمنكورسي ، وقاضيه شهاب الدين الظاهر . وفي سابع عشره درس الرباط الناصري بقاسيون حسام الدين القزويني الذي كان قاضي طرابلس ، قايضه بها جمال الدين الشريشني إلى تدريس المسرورية ( 1 ) ، وكان قد جاء توقيعه بالعذراوية والظاهرية فوقف في طريقه قاضي القضاة جمال الدين ونائباه ابن جملة والفخر المصري ، وعقد له ولكمال الدين بن الشيرازي مجلسا ، ومعه توقيع بالشامية البرانية ، فعطل الامر عليهما لأنهما لم يظهرا استحقاقهما في ذلك المجلس ، فصارت المدرستان العذراوية والشامية لابن المرحل كما ذكرنا ، وعظم القزويني

--> ( 1 ) المدرسة السرورية : بدمشق أنشأها الطواشي شمس الدين الخواص مسرور في العصر الفاطمي ( الدارس 1 / 455 ) .